تشهد القدرة الشرائية للأجراء في تونس منذ سنوات ضغوطا متزايدة، في ظل تواصل ارتفاع معدلات التضخم وتنامي الأعباء الجبائية والاجتماعية، بما انعكس على كلفة المعيشة ومستوى الاستهلاك، وذلك رغم الزيادات الدورية في الأجور التي شملت مؤخرا نحو 3,6 ملايين أجير في القطاعين العام والخاص.
وفي هذا الشأن، بين الخبير الاقتصادي ماهر بالحاج أنه رغم أهمية الزيادات الأخيرة في التخفيف من تداعيات غلاء المعيشة، إلا أنها “لا تزال غير كافية لإحداث تحسن فعلي في مستوى عيش المواطنين، باعتبار أن جزءا مهما منها يُستهلك مباشرة عبر الاقتطاعات الجبائية والمساهمات الاجتماعية، إضافة إلى الارتفاع المتواصل للأسعار”.
وأوضح بالحاج أن الزيادة في الأجر الخام لا تعكس حقيقة ما يتحصل عليه الموظف فعليا، إذ تخضع الأجور إلى اقتطاعات متعددة تشمل المساهمات الاجتماعية لفائدة صناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، إلى جانب الأداء على الدخل الذي قد يبلغ نسبا مرتفعة بالنسبة إلى بعض الشرائح، وهو ما يؤدي إلى تآكل الزيادة قبل أن تنعكس على القدرة الاستهلاكية الحقيقية للأجير.
وأضاف أن بعض الإطارات العليا التي تستفيد مثلا من زيادة خام في حدود 120 دينارا، قد لا تتحصل فعليا إلا على جزء محدود منها بعد خصم الأداءات والاقتطاعات الاجتماعية، وهو ما يفسر استمرار شعور فئات واسعة من الموظفين بعدم تحسن أوضاعهم المعيشية رغم الزيادات المعلنة.
وفي المقابل، يواصل التضخم الضغط على ميزانيات العائلات، خاصة مع الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الإنفاق الغذائي يمثل قرابة ثلث مصاريف الأسر، ما يجعل أية زيادة في الأسعار تنعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطن.
ويرى الخبير الاقتصادي أن من أبرز أسباب ارتفاع الأسعار اختلال مسالك التوزيع وهيمنة الوسطاء والمضاربين على السوق، بما يساهم في تضخيم هوامش الربح بين المنتج والمستهلك ويدفع نحو ارتفاع غير مبرر في أسعار العديد من المواد الأساسية.
كما اعتبر أن الضغط الجبائي المسلط على الأجراء أصبح من أبرز العوامل التي تستنزف الطبقة المتوسطة، في وقت تعتمد فيه الدولة بشكل كبير على الأداءات المباشرة المفروضة على الأجور، مقابل محدودية المداخيل الجبائية المتأتية من الاقتصاد الموازي وبعض القطاعات غير المهيكلة.
ويُعتبر الاستهلاك أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي، غير أن تراجع المقدرة الشرائية للأجراء يحدّ من قدرتهم على الإنفاق، مما ينعكس سلبا على الدورة الاقتصادية ويقلّص من ديناميكية الطلب الداخلي.
وأشار إلى أن الزيادات في الأجور تفقد أثرها بسرعة عندما يرتفع التضخم بنسق أسرع من تطور الأجور الصافية، وهو ما يؤدي عمليا إلى تراجع “الأجر الحقيقي” للمواطن، أي قدرته الفعلية على الاستهلاك، رغم ارتفاع دخله الاسمي.
وأكد بالحاج أن معالجة أزمة المقدرة الشرائية لا يمكن أن تقتصر على الترفيع الدوري في الأجور، بل تستوجب إصلاحات أعمق تشمل مراجعة الشرائح الجبائية، والتخفيف من العبء الضريبي على الأجراء، والحد من التضخم وإصلاح منظومة التوزيع ومقاومة الاحتكار، إلى جانب تحسين الإنتاجية ودفع النمو الاقتصادي.
كما شدد على أن الزيادات في الأجور، رغم أهميتها الاجتماعية، لا يمكن أن تحقق نتائج دائمة إذا لم تترافق مع تحسن في الإنتاجية وارتفاع نسق النمو الاقتصادي، إذ أن زيادة الأجور دون خلق ثروة إضافية أو تحسين مردودية المؤسسات قد تؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وتغذية التضخم، بما ينعكس مجددا على الأسعار ويفقد الزيادات أثرها الحقيقي.
ويرى أن تحسين مستوى عيش المواطنين بشكل مستدام يمر عبر دعم الاستثمار وتطوير الإنتاج وتحسين مناخ الأعمال، بما يسمح بتحقيق توازن بين حماية القدرة الشرائية والمحافظة على استقرار الاقتصاد.
Radio RM FM اسمعنا على موجات الأثير 99.8 FM