أعادت الأزمة الأخيرة بين الصندوق الوطني للتأمين عن المرض «الكنام» وأصحاب الصيدليات الخاصة، والتي أدّت إلى تعليق العمل بمنظومة الطرف الدافع، تسليط الضوء على الصعوبات المالية التي يواجهها الصندوق، ولا سيما أزمة السيولة التي يعيشها منذ سنوات.
فهذا الخلاف، الذي بدا في ظاهره خلافا قطاعيا، كشف في الواقع هشاشة التوازنات المالية لمنظومة التأمين على المرض، وأثار مخاوف من انعكاساته المحتملة على ديمومتها وقدرتها على ضمان حقّ المضمونين الاجتماعيين في النفاذ إلى الدواء والعلاج.
ويضمّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض نحو 3.5 ملايين منخرط، يتوزعون على ثلاث منظومات، تستحوذ المنظومة العمومية على 59 بالمائة منها، تليها منظومة استرجاع المصاريف بنسبة 25 بالمائة، في حين لا تتجاوز نسبة الإقبال على منظومة “طبيب العائلة” 18 بالمائة. وتعدّ هذه الأخيرة من أكثر المنظومات التي تشهد أزمة ثقة بين الصندوق ومقدّمي الخدمات الصحية، رغم انخفاض مساهمة المواطن فيها.
أزمة الصناديق الاجتماعية تلقي بظلالها على منظومة التأمين على المرض
ولا يمكن قراءة الأزمة الحالية للصندوق الوطني للتأمين عن المرض بمعزل عن الوضعية العامة للصناديق الاجتماعية في تونس، إذ ترتبط الصعوبات التي يواجهها «الكنام»، وخاصة على مستوى السيولة، بشكل مباشر بالاختلالات المالية التي تعانيها بقية الصناديق الاجتماعية. فتعطّل تحويل المساهمات وتراكم الديون بين مختلف مكوّنات منظومة التغطية الاجتماعية أسهما في تعميق الأزمة، وجعلا من خلاف «الكنام» مع مزوّدي الخدمات الصحية انعكاسًا لأزمة هيكلية أوسع تطال كامل المنظومة.
وتعيش الصناديق الاجتماعية في تونس أزمة مالية حادة جعلت استقرار منظومة الحماية الاجتماعية على المحك، في ظل تراكم الديون وتأخر الوفاء بالالتزامات تجاه مقدمي الخدمات الصحية، وهو ما انعكس مباشرة على حياة المواطنين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج.
ويجمع الخبراء على أن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة سنوات من التقصير في إدماج النشاط الاقتصادي غير المنظم ومقاومة التهرب الاجتماعي، بالاضافة الى اتجاه المجتمع التونسي نحو التهرم، وهو ما حال دون تحصيل المساهمات المستحقة للصناديق وتعزيز استدامتها المالية
وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة التغطية بالضمان الاجتماعي لا تتجاوز 42 بالمائة من إجمالي السكان، مقابل 76 بالمائة نسبة التغطية الصحية، في حين يفوق معدل الشيخوخة 16,9 بالمائة من السكان الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة.
كما يساهم توسّع القطاع غير المنظم في تعميق الأزمة، إذ لا يتمتع العاملون فيه بأي تغطية اجتماعية أو صحية، ما يزيد من هشاشتهم ويثقل كاهل الصناديق الاجتماعية.
وامام هذه الازمة يواجه الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الذي يحقق فائضا محاسبيا يقارب 1200 مليون دينار، وفق آخر الإحصائيات التي نشرتها وزارة المالية، شحّا فعليا في السيولة، يمنعه من الإيفاء بالتزاماته تجاه الأطباء والصيادلة ومقدّمي الخدمات الصحية. ويعود ذلك أساسا إلى عدم تحويل المساهمات المستحقة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، ما عمّق من حدّة الأزمة وهدّد استمرارية الخدمات.
وكان تقرير لوزارة المالية حول المنشآت العمومية، نُشر سنة 2024، قد أبرز أن حجم مستحقات الصندوق الوطني للتأمين عن المرض تجاه الصناديق الاجتماعية يقدّر بنحو 8778,7 مليون دينار، فيما أشار التقرير ذاته إلى أن حجم ديون “الكنام” تجاه الأطباء والصيالة ومزودي الخدمات تجاوز 2336 مليون دينار خلال سنة 2022.
وتكشف الأرقام الرسمية عن تفاقم العجز في بقية الصناديق الاجتماعية، إذ بلغ عجز الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية نحو 700 مليون دينار سنة 2024، في حين يعاني الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من عجز يناهز المليار دينار. دعوات إلى حلول جذرية والقطع من الحلول الترقيعية
وفي ظلّ هذه المعطيات، يؤكّد عدد من الخبراء أن الحلول الظرفية لم تعد كافية، وأن الإصلاح الهيكلي للصناديق الاجتماعية، عبر تنويع مصادر التمويل ودمج النشاط الاقتصادي غير المنظم، يمثّل السبيل الوحيد لاستعادة التوازن المالي وضمان استدامة الخدمات الصحية والاجتماعية.
وكان رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، قد شدّد، خلال استقباله وزير الشؤون الاجتماعية، على ضرورة تدارك الوضع المالي للصناديق الاجتماعية وإعادة هيكلتها بشكل عاجل، مؤكّدًا أن التغطية الاجتماعية والصحية للمواطنين حقّ أساسي من حقوق الإنسان. وبيّن أن الحل لا يكمن في المسكنات المؤقتة، بل في وضع تصور جديد للمنظومة يقطع مع الخيارات السابقة التي أدّت إلى اختلال توازناتها المالية وانعكست سلبًا على مستوى الخدمات المقدّمة.
من جهته، اعتبر الخبير في الحماية الاجتماعية بدر السماوي، في تصريح سابق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن الإصلاح يجب أن يكون شاملًا ويطال مختلف مكوّنات المنظومة. وأكّد أن هذا الإصلاح ينبغي أن يقوم على رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التطورات التكنولوجية، وبروز مهن جديدة، خاصة على المنصات الرقمية، إلى جانب التحولات الديمغرافية التي يشهدها المجتمع التونسي.
وأشار السماوي إلى أهمية تنويع مصادر تمويل منظومة الضمان الاجتماعي وعدم الاقتصار على نظام المساهمات، وهو ما شرعت الحكومة في اعتماده من خلال المساهمة الاجتماعية الظرفية والضرائب المستحدثة في قانون المالية لسنة 2026، معتبرًا أن هذه الإجراءات ما تزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والتعزيز.
وبينما تعكس أوضاع الصناديق الاجتماعية في تونس أزمة هيكلية موروثة ومزمنة، تتقاطع فيها تراكمات الديون مع تزايد حاجيات المواطنين إلى العلاج والخدمات الأساسية، فان الإصلاح الهيكلي للمنظومة لم يعد
Radio RM FM اسمعنا على موجات الأثير 99.8 FM