التداعيات الإقتصادية للحرب على إيران على الدول العربية غير النفطية

غالبا ما تتجاوز تداعيات النزاعات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط حدود الدول المعنية مباشرة بها لتطال محيطا إقليميا أوسع، خصوصا بالنسبة للدول العربية غير النفطية التي تجد نفسها في مواجهة انعكاسات اقتصادية غير مباشرة لكنها عميقة.

وفي حال استمرار الحرب الواسعة ضد إيران، يتوقع خبراء اقتصاديون أن تكون هذه الدول من بين الأكثر عرضة للتأثر، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة والمواد الأساسية من الأسواق الدولية.

وتعتمد عدة اقتصادات عربية غير نفطية، مثل تونس والمغرب والأردن ولبنان بدرجات متفاوتة على واردات النفط والغاز لتلبية احتياجاتها الطاقية وأي اضطراب في الإمدادات العالمية أو ارتفاع كبير في الأسعار نتيجة التوترات العسكرية في منطقة الخليج قد يؤدي إلى زيادة حادة في فاتورة الطاقة، وهو ما يثقل كاهل الموازنات العامة ويزيد من الضغوط التضخمية في هذه الدول.

تحديات مالية واقتصادية على اسواق النفط العالمية

و يحذر خبراء من أن التصعيد العسكري في المنطقة قد ينعكس بسرعة على أسواق النفط العالمية، خصوصا في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إذ تمر عبره نسبة تقارب خمس الإمدادات النفطية العالمية.

وفي حال تعطل الملاحة في هذا المضيق أو حتى التهديد بإغلاقه نتيجة التصعيد العسكري، فإن أسعار النفط قد تشهد ارتفاعات حادة في الأسواق الدولية.

وفي هذا السياق، يرى الاستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد آرام بلحاج في تصريح خاص لوكالة تونس افريقيا للانباء ‘وات’ أن أي صدمة قوية في أسعار النفط قد تضع الدول العربية غير النفطية أمام تحديات مالية واقتصادية معقدة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تتراوح بين 120 و150 دولارا للبرميل في حال اتساع رقعة النزاع قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في فاتورة واردات الطاقة لدى هذه الدول، وهو ما قد ينعكس سلبا على توازناتها المالية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

وأضاف المتحدث لوات أن الحكومات قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة في مثل هذه الظروف، إذ قد تضطر إما إلى زيادة مخصصات دعم الطاقة للحفاظ على استقرار الأسعار

في الأسواق المحلية، وهو ما يثقل كاهل الميزانيات العامة، أو إلى تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين من خلال رفع أسعار الوقود والكهرباء، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتزايد الضغوط الاجتماعية.

ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة غالبا ما يؤدي إلى موجة تضخم أوسع، نظرا لتأثيره المباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية.

فارتفاع تكاليف الوقود والنقل ينعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية والسلع الصناعية والخدمات، وهو ما قد يزيد من الضغوط المعيشية في الدول التي تعاني أصلا من تحديات اقتصادية ومالية.

وفي هذا الإطار، يوضح بلحاج أن الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات ستكون أكثر عرضة لارتفاع معدلات التضخم، لأن زيادة تكاليف الطاقة والنقل تؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، بما في ذلك المواد الغذائية والمنتجات الصناعية.

كما قد تتأثر أسعار المواد الغذائية العالمية بدورها بتداعيات الحرب، سواء بسبب ارتفاع تكاليف النقل أو نتيجة تقلبات الأسواق الدولية. وتعتمد العديد من الدول العربية غير النفطية بدرجات متفاوتة على استيراد الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، الأمر الذي يجعلها أكثر حساسية تجاه أي اضطرابات في التجارة الدولية أو ارتفاع في الأسعار.

ولا تقتصر التأثيرات المحتملة على الجانب الطاقي والغذائي فقط، بل تمتد أيضا إلى حركة التجارة والاستثمار. فالتوترات الجيوسياسية عادة ما تخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى توخي الحذر وتأجيل بعض المشاريع أو تحويل استثماراتهم إلى مناطق أكثر استقرارا.

وحسب بلحاج ، فإن تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو بعض الاقتصادات العربية، خصوصا تلك التي تعمل على جذب الاستثمارات في قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات.

كما قد يتأثر قطاع السياحة، الذي يعد ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من الدول العربية مثل تونس والمغرب والأردن.

اذ في كثير من الأحيان ينظر السياح الدوليون إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كفضاء جغرافي واحد نسبيا، ما يعني أن التوترات الأمنية في جزء من المنطقة قد تنعكس على صورة المنطقة بأكملها لدى السياح الدوليين.

كما قد تواجه سلاسل الإمداد العالمية تحديات إضافية، خصوصا في ما يتعلق بالنقل البحري والتأمين على السفن التي تمر عبر الممرات البحرية الحساسة في المنطقة، مثل مضيق هرمز. وقد يؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى زيادة أسعار الواردات، وهو ما يضيف ضغوطا جديدة على الاقتصادات التي تعاني أصلا من عجز في الميزان التجاري.

ورغم هذه المخاطر، يرى بعض الخبراء أن مثل هذه الأزمات قد تحمل في طياتها أيضا فرصة لإعادة التفكير في السياسات الاقتصادية. فارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع الدول

العربية غير النفطية إلى تسريع جهودها لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية والريحية.

وفي هذا الصدد، يرى بلحاج أن الأزمات الجيوسياسية غالبا ما تشكل حافزا لتسريع الإصلاحات الاقتصادية، خصوصا في ما يتعلق بالتحول الطاقي وتعزيز الإنتاج المحلي وتقوية سلاسل التوريد الداخلية.

وعموما تظهر التجارب السابقة أن الأزمات الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط غالبا ما تكون لها انعكاسات اقتصادية واسعة تتجاوز حدود الدول المعنية مباشرة بالنزاع. وبالنسبة للدول العربية غير النفطية، فإن التحدي الأكبر يكمن في تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة هذه التقلبات، من خلال سياسات اقتصادية أكثر مرونة وتنويع مصادر النمو وتقليص الاعتماد المفرط على الواردات الطاقية والغذائية.

 

(وات)

عن Radio RM FM

شاهد أيضاً

المؤتمر الدولي ال38 حول “التمهين في التربية والتعليم …رؤى وممارسات” من 24 الى 27 مارس

تنظم الجمعية التونسية للجودة في التربية، بالتعاون مع جامعة جندوبة وجامعة قابس وجامعة سوسة، المؤتمر …